وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ تكمن أخطر وظائف كاميرات طائرات FPV في الحروب الحديثة، أن الكاميرا نفسها أصبحت أداة توثيق ضمن الحرب الإعلامية، بهدف إثبات النتائج وكسر السيطرة على الرواية، كيف يحدث ذلك في جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة؟
اعتاد مقص الرقيب العسكري عندما تُنفّذ المقاومة ضربة ضد قوة إسرائيلية، أن يفرض الرواية التي تلائم الميدان العسكري، والمزاج النفسي للجبهة الداخلية الإسرائيلية ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، خاصة في تقليل حجم الخسائر، حتى جاء التطور النوعي الراهن للمقاومة عبر كاميرا الـ FPV لتعطي تصويراً مباشراً للحظة الاستهداف، وأحياناً لما بعده بثوانٍ، مع رؤية قريبة جداً للهدف، وبالتالي يصبح من المستحيل نفي أصل الحدث نفسه.
ما الذي تغيّر مقارنة بالجولات السابقة؟
في السابق كان الجمهور يعتمد على البيانات الرسمية حصراً، أو على صور لاحقة قد تصل بعد أيام، أما الآن وفي ظل هذا المعطى التقني اللافت فالضربة تُصوَّر لحظة بلحظة، وتُنشر بسرعة كبيرة عبر المنصات الإعلامية، ويشاهد الجمهور الحدث تقريباً "من منظور السلاح نفسه"، وهذا يخلق ضغطاً على الرواية الرسمية.
لكن هل تثبت الكاميرا كل شيء؟
ليس بالضرورة أن تقدم الكاميرا حقيقة مشهدية كاملة، ولكنها تُثبت وقوع إصابة مباشرة ودقيقة لآلية مثل دبابة أو موقع قبة حديدية أو تجمع عسكري مكتظ بالجنود في المكان، وإن كانت لا تثبت يقيناً عدد القتلى بدقة كاملة ولا حجم الإصابات، أو النتيجة العسكرية الكلية للهدف، لأن كثيراً من المقاطع تنقطع لحظة الانفجار، أو تُقتطع منها أجزاء، أو لا تُظهر ما حدث لاحقًا، لذلك هي تُستخدم غالباً كـ“قرينة قوية” على وقوع الضربة، لا كدليل كامل على كل نتائجها.
وهذا القدر بحد ذاته بالغ الحساسية في الكيان الإسرائيلي، لماذا؟
لأن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعتاد تاريخياً على إدارة المعلومات الحربية والرقابة العسكرية والتحكم بإيقاع نشر الخسائر، لكن وبعد أن خيّم عصر المسيّرات والكاميرات المباشرة بدأ الضغط على مقص الرقيب العسكري الإسرائيلي، وصارت عبارة "حدث أمني صعب في جنوب لبنان" شبه يومية خلال شهري نيسان وأيار حتى الآن، فماذا كان الحل؟
اضطر كثير من وسائل الإعلام الإسرائيلية للاعتراف بالهجمات بعد انتشار الفيديوهات على نطاق واسع، حتى لو لم تُكشف كل التفاصيل رسمياً، مع ما يحمله نشر كهذا من تأثير نفسي وإعلامي، فيكون أثر الفيديو أكبر من أثر العملية المادية نفسها، لأن المشاهد المباشرة تنتشر بسرعة وتؤثر على الرأي العام، وتخلق انطباعاً بضعف الحماية أو اختراق الجبهة، ولهذا أصبحت المعركة الإعلامية اليوم مرتبطة جداً بالمسيّرات والكاميرات والبث الفوري من أرض المعركة.
وهكذا لم تعد الطائرة المسيرة مجرد أداة هجوم، ولا الكاميرا مجرد أداة تصوير، بل أصبحت جزءًا من السلاح نفسه ومن إدارة الرواية السياسية والعسكرية، وما يتبع ذلك من تمزيق للنسيج النفسي للجبهة الداخلية الإسرائيلية، وهو ما دفع كل المستويات العسكرية والسياسية والإعلامية الإسرائيلية إلى الدخول في خضم هذه الأزمة، حتى أن القناة 14 المقربة من حكومة اليمين المتطرف اعترفت صاغرة بالأزمة وهي تقرّ بأن "إسرائيل" عالقة ميدانياً واستراتيجياً في لبنان، وأن حزب الله يفرض المعادلة وهو يصيب الجنود ويقتلهم كل يوم، ولكن الرقيب العسكري وجد حلّاً يخرجه من هذه الأزمة، ولو إلى حين عبر مسافة في الخروج عن السردية التقليدية.
جاءت التوصيفة السحرية للرقابة العسكرية الإسرائيلية، في تجاوز أزمة الحقيقة التي تنجح كاميرا مسيرات الألياف الضوئية في تقديمها للجمهور، بالنزول درجة واحدة عن البرج العاجي المعزول عن الواقع، عبر الاعتراف بقتيل واحد كل عدة أيام مع سيل الإصابات، والجمهور الإسرائيلي معتاد على أرقام مرتفعة من الإصابات خلال المواجهات، خاصة أن هناك إصابات من الهلع عبر القصف تجاه المراكز الرئيسة للمدن، مثلاً اعترفت المصادر الإسرائيلية بحوالى 8000 إصابة إسرائيلية منذ العدوان الأخير على إيران، باعتبار أن غالبها طفيف، وليس له وزن في المخيال الإسرائيلي النفسي، وهنا يوجد أزمة رقيب عسكري أخرى ليس هذا باب بحثها الآن.
وقد تكشفت هذه الطريقة المضحكة خلال شهر نيسان وما تبعه حتى الآن من شهر أيار، خاصة في ظل الهدنة الهشة التي فرضتها إيران على الكيان ضمن وقف الحرب مع أميركا و "إسرائيل"، والتي نجح حزب الله عبرها لاحقاً في فرض قواعد اشتباك تناسب طرق تموضعه وتحركاته، ولا تناسب الحركة الثقيلة لقطعات جيش الاحتلال، فقد واظب جيش الاحتلال على الاعتراف بمقتل جندي واحد في كل عملية من أصل عشر عمليات سقط فيها قتلى بحسب هذا "الجيش"، أي إن هناك 10 جنود قتلوا في جنوب لبنان منذ الهدنة الهشة حتى الآن وجميعهم قتلوا حسب الرقم واحد في كل عملية، والصدفة أنه لم يقتل اثنان أو ثلاثة في عملية واحدة مطلقاً.
لماذا يبدو هذا الحل ساذجاً؟
يطرح هذا الحل السحري للرقيب العسكري بالإفراج عن قتيل واحد كل عدة أيام، إشارة استفهام حول حقيقة هذا الالتفاف الساذج، على الرغم من أن كاميرا المسيرة أحياناً تضرب جنود مشاة مباشرة ومن مسافة صفر، وليس فقط تدمر آلية أو موقعاً، كما أن القدرة التفجيرية لهذه المسيرة تعتمد على 8-10 كلغ من المتفجرات تقتحم فوهة الدبابة أو الآلية بشكل دقيق بحسب ما تبثه الكاميرا، فكيف يكون هناك أكثر من 600 إصابة منذ الهدنة وفقط 10 قتلى؟
وقد عبّر بعض الإعلاميين الإسرائيليين عن سخطهم من العجز أمام هذا التطور النوعي، يجزم يوسي يهوشواع أنه لا يوجد حتى الآن حل كامل لتهديد الطائرات المسيّرة، لذا هو يقترح أن يتم ضرب الضاحية مقابل هذه الطائرات!!!
ويضيف هذا الصحافي أن حزب الله لم يعد يعتمد فقط على الأسلوب المعروف لوحدة الطائرات المسيّرة "127"، بل بات يوزع قدراته على خلايا صغيرة تطلق المسيّرات من عدة ساحات وبأساليب متغيرة، وأن ذلك يعني أن تهديد الطائرات المسيّرة قد يظهر في جبهات أخرى خلال الفترة المقبلة، وأزمة هذه المسيرات بحسب كبار الخبراء العسكريين أنها تتمتع بالمرونة العالية جداً في المناورة والمراوغة والثبات في الجو إلى حين قرار الانقضاض، إضافة إلى صعوبة اكتشافها إلا في اللحظة الصفر بسبب ارتفاع صوت شفرات مراوحها.
يشير هذا الإفراج عن قتيل واحد كل عدة أيام بحسب الرقيب العسكري، بما يضبط الإيقاع النفسي، ولا يتسبب بموجات تراجع عن دعم "الجيش" في عدوانه على لبنان، وكانت الماكينة الإعلامية الإسرائيلية قد نجحت طوال حرب الإسناد وما تبعها من حرب البأس الشديد، في التكتم على الخسائر البشرية، بهدف تقزيم الإنجازات النوعية للمقاومة، وإفراغها من محتواها الناري المجدي، وبالذات على مستوى التلقي الشعبي، وكان الهدف في ذلك في جانب منه المس بجدوى إسناد غزة، لكي تبقى تقاتل وحدها حتى تلفظ أنفاسها الأخيرة على أرضية تراجع وحدة الساحات.
وفيما كانت "وحدة الإنقاذ والإخلاء الجوي في سلاح الجو الإسرائيلي 669" لا تفارق أجواء الشمال وهي تنقل القتلى والجرحى باتجاه مشافي الوسط وحتى الجنوب، بعد اكتظاظ مشافي الشمال، وتحديداً في معركة البأس الشديد لأربعة أشهر متصلة، لم يكن مقص الرقيب العسكري يفرج إلا عن النزر اليسير من المعلومات المتعلقة بالخسائر البشرية، وهو ما غرز في وعي التلقي الإعلامي، عدم جدوى المقاومة في مواجهة القوة النارية الإسرائيلية، وصلابة الدفاعات الجوية والإجراءات الأمنية الميدانية والخطط العسكرية، خاصة مع تسعير الاغتيالات وتفجيرات البيجر، إلا أن ذلك كله يتهاوى تباعاً مع أزيز هذه المسيرات النابض بالحقيقة الساطعة.
تجاوز حزب الله في هذا التكتيك النوعي الهجومي المصحوب بالسردية الإعلامية أولاً بأول، كل ما أورثه النجاح الإسرائيلي الأمني السابق في عام 2024 في عقل الجمهور الإسرائيلي والعربي، ما يفتح المواجهة الآن باتجاه حالة انسداد إسرائيلي في مجمل خياراته، بانتظار من يحقق المفاجأة المقبلة من رحم ميدان مثقل بصراع الأدمغة.
تعليقك